اسماعيل بن محمد القونوي

116

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الظاهرة في هذه النشأة تبرز في النشأة الأخرى بصور جوهرية مناسبة لها في الحسن والقبح ضعيف لأن جزاء الأعمال مذكورة في مواضع شتى فالمحضر إما الصحائف أو الجزاء لا نفس الأعمال ومعنى علمها به حينئذ مشاهدة الصحائف أو الجزاء على وجه التفصيل بعد علمها في الدنيا على وجه الإجمال ولو قيل : ما أَحْضَرَتْ [ التكوير : 14 ] ما قدمت وأخرت مجازا إذ التقديم سبب للإحضار لم يبعد قوله الآتي : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [ الانفطار : 5 ] يؤيد ذلك . قوله : ( جواب إذا ) حمله على الشرطية دون الظرفية وإن احتملتها . قوله : ( وإنما صح والمذكور في سياقها ثنتا عشرة خصلة ست منها في مبادي قيام الساعة قبل فناء الدنيا وست بعده ) وإنما صح كونه جواب إذا مع أن الأشياء الست الأولى قبل فناء الدنيا فلا يعلم نفس حينئذ ما أحضرت فكيف يصح ذلك قيل الظاهر أن المراد به ما بين النفختين لظهور أن الست الأول ليست قبل النفخة الأولى وإلا لعدت من أشراط الساعة والحاصل أن مبدأ الخصال المذكورة النفخة الأولى ومنتهاه فصل القضاء وقيل يكفي في صحة الكلام جريانه على أحد الوجوه في خصلة تعطيل العشار وحشر الوحوش وهو أن يكون تعطيل العشار بمعنى تعطيل السحاب وأن يكون حشر الوحوش بمعنى إماتتها ولا يلزم إجراء الكل على جميع الوجوه فلا إشكال بأنه قد ثبت أن موت الناس والخلائق إلا بعض الملائكة بعد النفخة الأولى فكيف يتصور تعطيل العشار وحشر الوحوش بزوال وحشتها من الدهشة ويرد عليه أنه لما كان صحة الكلام جاريا على أحد الوجوه دون الآخر كان الواجب التعرض للوجه الذي يدور عليه صحة الكلام دون الوجه الذي ليس كذلك فما الباعث على ذكر الوجه الذي لا يصح الكلام عليه مثلا تعطيل العشار بمعنى تعطيل النوق وحشر الوحوش بمعنى جمعت من كل جانب إذا لم يصح فما الفائدة في تعرضهما فالأحسن حمل الكلام على التغليب كما لا يخفى على اللبيب إذ التغليب باب واسع يجري في فنون كثيرة فما بين النفختين غلب على ما قبيل النفخة الأولى فعد المجموع مما بعد النفخة الأولى فلا وجه لما قيل من أن المراد من قبل فناء الدنيا مجموع ما قبيل النفخة الأولى وما بعدها إلى النفخة الثانية إلا أن يقال إن مراده ما ذكرناه من التغليب قوله فيما مر أو بعثت للقصاص فيكون الحشر بهذا المعنى بعد النفخة الثانية فلا بد من اعتبار التغليب أيضا وقيل عليه أيضا أن كون ما بين النفختين مخالف لما قاله في سورة النبأ من أن الدنيا تنتهي عند النفخة الأولى ويمكن أن يقال المراد بالانتهاء انتهاء مدة التكاليف فلا مخالفة فلا تغفل . قوله : ست منها في مبادئ قيام الساعة وهي من قوله : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [ التكوير : 1 ] إلى قوله : وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ [ التكوير : 6 ] وست في الآخرة وهي ما في قوله : وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [ التكوير : 7 ] إلى قوله : وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ [ التكوير : 13 ] .